السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

585

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

عملهم الحسن « يُرْزَقُونَ » من النعم الجسيمة والخيرات العظيمة « فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ 40 » رزقا واسعا بلا تبعة ولا تقتير ولا إسراف ولا تقدير بمقابلة العمل بل أضعافا مضاعفة فضلا منه ورحمة ، وفيها إشارة إلى عظيم فضل اللّه وشرف ثوابه ومزيد عطائه « وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ 41 » في هذه الآية طلب منهم أن يوازنوا بين ما يدعونه إليه من اتخاذ الأوثان الموصلة إلى النار أندادا للّه - تعالى عن ذلك - وبين دعوته لهم إلى دين اللّه الموصل إلى الجنة ليتفكروا في هاتين الدعوتين ويميزوا بينهما ويعرفوا ثمرة كل منهما ، ولهذا قال لهم « تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ » أنه إله وإني لا أعلم إلها غير الإله الواحد الحق « وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ 42 » لمن أناب إليه ، ذكر لهم صنفين عظيمين من صفات اللّه تعالى الذي يدعوهم لعبادته بأنه منيع غالب قوي الجانب لا يقابل ولا يغالب ، فمن التجأ إليه أوى إلى ركن شديد لا يقدر أحد أن يتسلط عليه ، وأنه كثير المغفرة لمن يرجع إليه فلا يهولن من يأوي إليه كثرة ذنوبه وعظيم خطأه فإنه يسترها له مهما كانت ، وهو واسع المغفرة ، وهذا مما قذفه اللّه في قلب هذا المؤمن الكامل من نور الإيمان والمعرفة ، فجعله ينطق بالحكمة توا ، إذ أبدل جهله علما وكفره إيمانا وجبنه شجاعة ، ومن هنا قيل : ما اتخذ اللّه من ولي جاهلا ولو اتخذه لعلمه « لا جَرَمَ » حقا « أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ » من البقاء على دينكم وعبادة الصنم الذي « لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ » مقبولة « فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ » لأنه لا ينطق حتى يدعو الناس لعبادته ومن لا يقدر على النطق لا يجيبه أحد ، وإن من حق المعبود أن يدعو العباد لعبادته ، فإذا لم تكن له دعوة مجابة في الدنيا فمن باب أولى أن لا تكون له في الآخرة ، ولهذا عطفها عليها ، لأنها فضلا عن أنها لا تجيب عابديها فيها فإنها تتبرأ منهم وتنكر عبادتهم حينما يؤهلها اللّه للنطق لهذه الغاية « وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ » جميعا نحن وأنتم « وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ » المتجاوزون حدود اللّه في استرقاق عباده السفاكين لدماء الأبرياء الغاصبين أموالهم بغير حق ، فكأنه رحمه اللّه أراد أن يختم كلامه بما افتتحه وهو ( أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ) فقال وإن المسرفين في القتل وغيره